كيف تعمل الأفكار المختلفه - ولماذا مختلفه؟

الأربعاء، 31 أغسطس 2016

هل الإهتمام الحقيقى بالمعرفة أم الشهرة؟





الإنخداع بالعلم أو بالشغف العلمى هى عادة غير طبيعيه تتواجد كثيرآ بيننا - هذا مجرد محاولة تقليد زائف لفهوم كلمة "كيوريازتى" بالإنجليزيه. لا أعرف كثيرآ عن العملية البيولوجيه التى تحدث بمخ الإنسان لكى تهيأ هذه الظروف للفرد، ولكن ربما الشهرة الإعجاب من قبل الآخرين و المجد الشخصى هم لُب الموضوع.

فى المجتمعات الرأسمالية لا يوجد إهتمام كبير بالعلماء من جانب العامه أو غير المتخصيين فى المجالات العلميه، ولكن بالطبع فى النطاق الأكاديمى العالمى للمجال يتواجد معرفه للعلماء الساطعين فى المجال. ولكن السؤال الذى يطرح نفسه: هل إهتمام الدول العربية والعرب بالعلماء من دواعى الإهتمام الكبير بالمعرفة و العلم والبحث اللانهائى وراء الأشياء؟ أم الغرض من ذلك هو تقديس الشهرة و السعى وراء اللمعان وسط الإخفاق والظلام؟

من تجارب أكثر منها نظريات ففى الحقيقة أنى لم أعرف أى شخصية عالمية لها تأثير كبير فى مجال علمى إلا وكان دافعه الأساسى هو المرور وسط وبجانب الأشياء مُستمتعآ وهو يواجه صعاب لا حصر لها إلا لهدف إستكشاف لماذا وكيف تحدث ظاهرة طبيعيه معينه، وهو/هى بالفعل يـ/تـعرف جيدآ أن هذه العلميه يُمكن أن تمحى جهلآ بظاهره أو تجربه معينه تكتشف أشياء جديده تحسن حياه الإنسان البشرى - هذا ناتج إثارة حقيقيه غير زائفة.

إذا بنلقى نظره على معظم الجامعات فى بلادنا نلاحظ الإهتمام الكبير للأكاديمين على إظهار قدرتهم على إقناع الجمهور أو الطلاب بأنهم أساطير العلم و المعرفه وشغفهم بالعلم لا نهائى وهذا غير صحيح إطلاقآ، ومن الواضح أن هناك سوء فهم لمعنى العالم الحقيقى - العالم الحقيقى هو الذى يقضى حياته يسكتشف الأشياء و يحاول أن يعبر عن أفكاره بشكل مُرتب لمختلف الناس. لذلك يتجه التعليم فى البلاد إلى نوع كبير من التقديس - تقديس الشهرة وتقديس المُعلم، وهذا يعبر عن الإنحراف الكامل بعيدآ عن العلم والمعرفه الحقيقيه. 

ومن ناحية أخرى أذكر تجربتى الشخصيه من خلال مساق أكاديمي مفتوح مع الألمانى وولفجانج كاترلي - مُكتشف نوع جديد من حالات الماده فى مقياس من الحرارة فى النانو كيلفن، و الحائزعلى جائزة نوبل فى الفيزياء لعام 2001 لهذا الإكتشاف المسى بالـ "بوز إينشتاين المتكاثف." 

 فى هذا المساق كانت تجربتى مثيره معه ومع مختصيين محترفيين فى إكتشاف أسرار عظيمه لطبيعه الكون من خلال التفاعل بين العقول وبعضها - وولفجانج فى ختام المساق شكر الطلاب لأسئلتهم التى تجعله دائمآ يتعلم جديدآ أثناء التدريس وأيضآ تجعله يفكر أكثر فى أعماق التفاصيل بإثاره شديده وإحتراف دائم فى ربط الأشياء ببعضها. كاترلى لا يسعى للإجابه على أسئله الطلاب لهدف إعطاء الإجابه وإنتهى الأمر! ولكن يفكر ثم يحلل الأفكار و يندمج معها ومع أصحابها للتفكير من نواحى مختلفه ناتج هذه الإثاره هو "طاقة إيجابيه".
 هذا المساق المُبتكر يؤكد أن العلوم هدفها الأساسى إكتشاف المزيد من الظلام الغير نهائى و ليس تقديس الأشخاص أوالفخر بالجوائز أو الشهرة على الإطلاق. 


 من المثير أن أقابل فى حياتى كثيرآ من الناس التى تتحدث عن أحمد زويل كمخترع للفيمتوثانية! زويل لم يخترع الفيمتوثانية ولكن إستخدم ليزر فى مراقبة حركة الذرات والجزيئات فى فيمتوثوانى. وفى نفس الوقت لا يعرف الكثيرون عن ماذا نجح زويل فى إنجازه فى معامله خلال عشرات السنين من العمل.

 فى الحقيقة معرفة الشعوب العربية بالعلم ترتبط بالجوائز و التكريم أكثر من تفاصيل الإنجازات العلمية التى تحدث فى ظل العصر الحالى - و معرفة زويل كانت سببها الأساسى هى رد الفعل التلقائى للمخ مباشرة فى تخيل الجائزة التكريم الشهرة المجد الفخر جائزة نوبل! وليس العلم أو المعرفة المثيره للأذهان.

    

الاثنين، 29 أغسطس 2016

بانيرا - إدفع ما تستطيع دفعه




أحد أفرع بانيرا بنويورك 



ماذا يحدث إذا تم إنشاء عمل تجارى حر فى بلادنا تحت شعار "إدفع ما تريد دفعه"؟ المعظم لا يتخيل مدى نجاح شعار مثل ذلك. هكذا كان بانيرا - المتخصص فى عمل الخبز السلطات القهوة وبعض الساندوتش ومقره الأساسى بميزوري بالولايات المتحده الأميريكية.

بانيرا هو مثال لإبتكار يثق فى عملاءه ويعتبر أن مكسبه الحقيقى هو مساعده الفقير الذى هو بحاجه إلى الطعام من خلال آخرين لديهم القدرة على الدفع أكثر - تبعآ لحالتهم الإقتصاديه. هناك من يسأل بداخله وأين المكسب أو الربح الذى يصنعه أى تاجر فى أى مكان فى العالم؟ ما فائده إنشاء عمل تجارى وعدم تحقيق أرباح كثيره من خلال أسعار تُجبَر على العميل نظير الخدمه؟


وفقآ لوزراة الزراعة بالولايات المتحده الأميريكية "من كل 6 مواطنيين أميريكان يوجد مواطن يعانى من مشكلة ماديه غذائية" أو لديه عجز غذائى بمعنى أصح. وهذا الأمر خطير بالنسبه للشعب الأميريكى، ومن هنا ينطلق بانيرا ليسد عجزآ لدى الملايين من الأميريكان فمن يقدر على دفع شئ يدفعه والغير قادر له الإمكانيه فى عدم الدفع.

بانيرا لا يملك ماكينه لجمع الأموال مقابل الخدمة ومن يريد الدفع يضع ما يملك فى صندوق، فأحيانآ يدفع العميل أكثر من ما يستحق دفعه وبهذه الطريقه يساعد فى إطعام كثير من المشرديين فى الشوارع، فمنهم من يلجأ على المطعم لتناول الطعام أو الشراب بدون الدفع.

تحقيق إكتفاء لحاجه هو أسمى أهداف المبادرات التجاريه الناجحه، وغالبآ هذه الأنواع من البيزنس الحر القائم على فكره جديده ومُبتكره هى من تكمل طريقها وتجد مستثمرين ومموليين دائميين لها فى أى وقت. بانيرا الآن له سمعة عالميه وهناك كثير من الأعمال الأخرى التى تسير على نهج بانيرا.


الأحد، 28 أغسطس 2016

الإبتكار الثوري للكشف المبكر عن السرطان من هواء الذفير



الأنف الإلكترونى يلتقط جزيئات عضوية من سرطان فى الرئة


العالم الآن يشهد خطرآ كبيرآ جدآ فى مواجهه الأمراض التى تهدد حياة الإنسان وتؤرقه - السرطان هو أهم هذه الامراض والذى أنهى ومازال ينهى حياة الملايين من الأفراد ويسبب ألمآ كبيرآ لكل من حولهم.

وفقآ لبعض الإحصائيات الحديثه التى سجلتها وكالة الـ "سي إن إن" العالمية عن المقارنة بين أمراض القلب والسرطان - كأكثر مرضين يقضوا على الإنسان فى العالم الحديث، ويبدو منها أن هناك تحكم أكبر فى مرض القلب ووجود وسائل أقوى فى محاربته وهذا يظهر بداية من أواخر ال1980 حتى الآن, وكما يتواجد بالولايات المتحده الأميريكيه حيث يقل عدد الوفيات من أمراض القلب ولكن يزداد عدد وفيات أمراض السرطان بإستمرار. ففى كل دقيقة يموت حوالى 75 شخص بسبب السرطان فى الولايات المتحده، و من ناحية أخرى فى كل دقيقة يتم الكشف عن شخص مصاب بالسرطان فى المملكة المتحده!

متى سيتوقف هذا العدد فى التزايد؟ متى يتم التحكم بالمرض ووقف إطاحه ملايين من الأشخاص عالميآ؟
 نحن الآن فى ظل عصر ديجيتالى له القدرة على فهم كثير من الظواهر التى تحدث حولنا وله القدرة أيضآ فى التحكم فى أشياء كثيرة جدآ بواسطة التكنولوجيا المتطورة. ولكن كيف نتحكم فى السرطان ونحن مازلنا لا نملك إجابة نهائية توصل بين فهم طبيعة تطور المرض و بين إكتشاف علاج مباشر للقضاء عليه - المشكلة الأكبر من ذلك هو أن إكتشاف السرطان غالبآ يحدث فى مراحل متأخرة بعد تطوره ووصوله لمرحلة قد يصعب التحكم بها.

فى بداية هذا القرن إنطلق فريق من الباحثين بقياده صديقى العالم العربى البروفيسور حسام حايك - من التخنيون - ليتحدث بلهجة مختلفه عن المرض - وهى الكشف الأولى للخلايا السرطانية بواسطة النفس أو الذفير وفى مراحل جزيئية لم توجد لها مثيل سابقآ, فلم توجد أو وسيلة تكشف عن السرطان فى هذه المرحلة. مع العلم أن السرطان يتطور فى جسم الإنسان ولا يشعر بأى أعراض له فى فترة 5 إلى 15 سنة من هذا التطور، والطرق المعتاده لتصوير الخلايا السرطانية هو مجرد إستغلال للإشعاع - الإكس راى على سبيل المثال - والتى يُمكن أن تكون لها خطورة على الخلايا الجسدية وفقآ للدراسات الحاليه.

فى ظل مرافقة حايك لصديقه الذى عانى من السرطان، كان حسام عقلآ متفتحآ ومبتكرآ فى ربط الأشياء ببعضها البعض فقد كان يفكر فى ربط قوة حاسة الشم لدى الكلاب فى شم رائحة الأمراض بجهاز يحاكى حاسة الشم لديهم و يعمل على التفرقة بين المرض والآخر.

إنطلق حايك مع فريقة العالمى ليبدأ فى كشف جزيئات تتراوح من مرض لآخر عن طريق أنف إلكترونى يمسى ب "الإنف النانو إلكترونى" والمصمم من مستشعرات على مقياس النانو - النانو هو مليار من المتر - والقادرة على تحليل هذه الجزئيات وتحويل كشفها إلى إشارات كهربيه تشير إلى وجود المرض. فالسرطان يصاحب معه إنطلاق ما يسمى ب "الجزيئات العضوية المتطايرة" والتى تنبعث مع هواء الذفير وتتراوح نسبتها تبعآ لنوع المرض.

نشر حايك عشرات الأبحاث العلمية فى الكشف عن أنواع مختلفه من السرطانات وبدقة عاليه، و سجل براءات إخترع عن هذا الجهاز الذكى الذى يشم رائحة السرطان وهناك جهات وشركات عالميه مختصة فى أوروبا والولايات المتحده عن تسويق الجهاز ويقودها حايك فى هذه الثورة التكنولوجية الطبية العظيمة التى جذبت إنتباه مؤسسات عالميه من الإتحاد الأوروبى إلى مؤسسة بيل و ميلاندا جيتس وغيرها، وهناك ملايين من الأموال صُرفت ومازالت تُصرف لدعم فريق حايك ودعم صول هذا الجهاز إلى المستشفيات بعد نجاحات أوليه فى الإختبارات المعمليه و الصحية لدى الجهاز والبدأ في تفعيله كوسيله يمكن أن تخفف ألم الملايين من البشر وتساهم فى علاج المرضى بأقل تكلفه. والآن يتواجد مشروع يرأسه حايك بالتعاون مع شركات عالمية وجامعات مختلفه فى أماكن مختلفه من أوروبا يسمى بـ "المحمول المستنشق" والذى يدمج الإنف الإلكترونى بالهاتف الجوال ليصبح هاتفآ يشم رائحة السرطان مباشرة!




بروفيسور حايك والهاتف الذكى الذى يشم رائحة الأمراض


الحل العلاجى للسرطان سيأخذ وقتآ طويلآ جدآ موازيآ ضياع ملايين أخرى من حياة البشر، وموازيآ لصرف مليارات من الأموال فى تمويل فرق أبحاث علميه وتكنولوجيه لفهم و علاج السرطان ينطلق فريق حايك ليغير المجرى المعتاد و ينقذ حياة الملايين.


حسام حايك يمتلك قوة ملاحظة و شعور بمشكلة وأيضآ روح العمل الجاد - تذكر أن الإبتكار ليس له علاقة بالإختلاف الأساسى لجيناتنا - ومنها ينطلق إلى أفاق جديده ليغير مسار البشرية و يقودها إلى أفكار مُبتكره وحياة قد تكون أفضل..

الجمعة، 19 أغسطس 2016

لماذا تُعد الجواتيمالا الفقيرة من أسعد سكان العالم؟






"على الرغم من إمتلائها بالعنف و الجرائم و الفقر المنتشر بين سكانها، إلا أن الجواتيمالا من أسعد 10 دول فى العالم.
 العُزلة الإجتماعيه يمكنها أن تتحول إلى إنعزال مزمن لدى ملايين الناس فى مختلف أنحاء العالم، لذلك هناك حالة قلق من هذا الإنعزال الناتج عنه إكتئاب الذى يُعتقَد أنه مشكلة صحيه كبيرة قادمه، فهو يقص حياة ملايين من البشر.

سيلفيا بابلو - فتاه تبلغ من العمر 21 عامآ - تتحدث من الداخل عن أن الإنعزال أصبح طبيعي لديها. ولدت سيلفيا بمشكلة فى العمود الفقرى والنخاع الشوكى تُسمى بـ "الشك المشقوق"، ولزمت بيتها لمده 10 سنين من العمر بعد أن تركهم والدها. وبالرغم من كل ذلك كان لديها إيمان يدفعها إلى الأمام وبالفعل أمكنها من التغلب على معاناتها اليومية المزمنه. واليوم لديها كرسيها الشخصى وتعمل فى أحد المصانع وهى سعيدة بذلك. وعلى لسانها تقول:

أعتقد أن سعادتى سببها روحانى (إلهى)هناك بالفعل أوقات صعبة، ولكن يمكننا التغلب أى مشكلة أو أحزان بمساعده الرب. علينا أن نعيش الحياة التى نعيش فيها، وعلينا المحاولة فى أن نكون سُعداء من خلال عقيدتنا أو إيماننا. فالإنسان السعيد ليس من يملك كل شئ، ولكن السعيد من هو شاكر لما يملك


نقلآ عن ديفيد ميرسير من الجزيرة:

 تقع الجواتيمالا فى أعلى قمم غياب العدل و اللامساواه والعنف، بالإضافه إلى أن أكثر من 50% من سكانها يعيش فى حالة فقر و حوالى 13 فردآ من هذا السكان يُقتل يوميآ!   لماذا؟!

نقلآ عن أندريس بينتو - المتخصص بعلوم النفس:


كشفت بعض الإستطلاعات الدولية عن أن الناس فى هذه البلد فعلآ من أسعده سكان العالم. وكثيرآ من السكان يعانى بشده وفى نفس الوقت ليس عنده شئ يخسره! فعندما يواجهوا مشاكل فى حياتهم يبذلوا مجهود كبير فى عملهم للتخلص منها. هؤلاء هم سكان مرن و مكافح ونحن لسنا مثلهم، ولكن علينا التعلم منهم

والسبب فى ذلك هو أن بالإضافه إلى الإيمان والعقيده والأسرة..إلخ - كما وضحت سيلفيا أيضآ - إلى أن يظل العامل الرئيسى والمحرك لهذه السعادة هو "المرونة" فى مواجهه الحياه، بمعنى آخر الكفاح المستمر وعدم اليأس. هذه الصفة التى تأصلت بشعوب هذا البلد تظل تساعدهم فى التخلص من الوحده و/أو الإنعزال و القلق و الإكتئاب."   


هذه كانت قصة أثارتها الجزيرة فى مقالات متعدده منذ أقل من شهر. وتذكرتها فى لحظة نقاش مع بعض الأصدقاء عن شكر الله على النعم التى يملكها الإنسان أيآ كانت أحواله. فأحيانآ التعلم من هؤلاء مثل بابلو يدفعنا كثيرآ لنؤمن بما قدره الله لنا والسعى نحو الكفاح لحياة أفضل، فهذا الكفاح عندما يتولد من مكان فقير أو ضعيف و يحقق نجاحه الذاتى- مثل ما حدث بالجواتيمالا- تكون نتائجه مليئه إبداع  فى كيفيه إيجاد طرق لحل و مواجهه الظروف الصعبه و بالأخص فى ظروف يندر بها الموارد.

أذكر أيضآ قصة شاركها معى صديقى المُعلم والباحث العالمى البروفيسور حسام حايك عن أحد الباحثين الذين عانوا من فقر شديد فى أماكن نائيه بالصين ولكنه كان عداء ناجح يخلص العمل، فقد إجتاز صعاب كثيره و صار يعمل فى فريقه المتميز عالميآ.



السعادة هى أهم أنواع الإستثمار فى أهم موادر الإستثمار "الإنسان" التى يُمكن أن تخلق عالمآ جديدآ ملئ بالإبتكارات وهذا سيرفع الحالة الإقتصادية للبلاد خطوة بخطوة.. وأيضآ من شأن تحقيق السلام بين الشعوب - نحن فعلآ نحرق مليارات ونضيع فرص قدرات عظيمه نتاج ضياع كثيرآ من ما يملكه الإنسان بالفطرة. هل تساءلت لماذا يهتم المتخصصون لدرجة كبيره بسعادة شعوبهم ومتابعه تطور الأمور أولآ بأول؟

الأربعاء، 17 أغسطس 2016

"كيف تفكر مثل ليوناردو دا فينشى"





الرجل الفيتروفى و الموناليزا





العلم + الفن. هكذا كانت شخصية ليوناردو دا فينشى: واحد من أكثر الأشخاص المبدعين فى تاريخ البشرية. كان يعيش بإستقلاليه و يفعل ما يحب: ينحت، يرسم، يفكر فى الفلك، يُشرح ويكتشف نواتج التشريح, وغيرها.  
"كيف تفكر مثل ليوناردو دا فينشى" هو عنوان لكتاب ألفه مايكل جالب في عام 1998. ويشرح 7 مفاتيح للإبداع و التى شكلت حياه دا فينشى، يعتقد بها مايكل الكثيرون أنها قادره على تصميم حياه الإنسان ووضعه فى سعادة دائمه.


هذه العوامل تُرجمت من اللغه الإيطالية إلى التالي:


1) حب الإستطلاع
التطلع إلى معرفه أشياء تبدو مثيره للإهتمام. حب معرفه أشياء جديده: كيف تعمل ولماذا تبدو جميله.

2) التجربة
التحول من النظرة والنظريات إلى التجربة أو بمعنى آخر التحول من النظر إلى جمال الأشياء إلى إستكشاف أعماق جمالها. تجربه أشياء جديده ومختلفه دائمآ يوسع دائره القدره على الإبداع.

3) الإحساس
إحساس الأشياء وتخيلها شئ عظيم. والأعظم هو إحساس شئ لا يحسه الكثيرون. دا فينشى كان لديه إحساس قوى بأشياء لم يتخيلها أحد, فقد كان يرسم تصاميم لم يفكر بها أحد غيره. قوه الحواس تُنتج إبداعآ أحيانآ.

4) الغموض أو عدم الوضوح
ربط أشياء قد تبدو غير مناسبه. إحساس كان يعيش به دا فينشى يتخيل أن أفكاره غير مقبوله لإنها غريبة وغير مناسبه. الأشخاص المُبدعين لديهم إحساس بهذا الغموض أو التناقض النفسى لأفكارهم.

5) العلم + الفن
كان دافنشى عالمآ عظيمآ، فقد عرف دوران الأرض حول الشمس قبل جاليليو و كابرنيكس وأيضآ فهم تفاصيل الدورة الدموية فى الجسم.
وكان أيضآ فنانآ رائعآ: فقد رسم الموناليزا و الرجل الفيتروفى وغيرها من الرسومات والأعمال النحتيه المُبهره.
هناك تجانس كبير بين العلوم الطبيعيه والفن، وربطهم فى كيان واحد يُنتج أشياء مُبدعه! كما فعل دا فينشى.

6) الإهتمام بالصحة الجسدية
هناك صلة قوية بين قوة العقل وقوة الجسد. كما نقول "العقل السليم فى الجسم السليم"
كان دا فنشى يمارس رياضة المشى ويمشى لأميال طويله. وكان ينظم برامج للصحه الجسديه و برامج تأهيل نفسي للعقل ليصبح بصحه أفضل.

7) الترابط بين الأشياء
هناك ترابط لا يراه أحد غيرك، كما كان دا فنشى يربط أشياء لا يراها الآخرون متجانسه. لذلك الأشخاص المُبدعون مره أخرى لهم إحساس مختلف فى ربط الأشياء حيث تتواجد تفاصيل دقيقه لا يراها الكل ولكن البعض.



إستطاع دا فينشى بعد أن خلط هذه الأفكار المُبدعه والتى تأصلت فى شخصيته أن يرسم شكل "الباراشوت" قبل أن يفكر أحد فى أى وسيله طيران أخرى. مع العلم أن دا فنشى هو مُخترع ومصمم أول نموذج للـ"هاليكوبتر" وأيضآ أول نموذج لـطياره (كما هو واضح بالتصمايم فى الصورة فى نهاية الصفحه).

وبعد 523 عامآ - صمم مهندس سويسرى يُدعى أوليفير تيبا أول نموذج باراشوت حقيقى و قفز من الهاليكوبتر ونزل على الأرض سالمآ الحمد لله..



أول تصميم لهليكوبتر
أول تصميم لطائرة بجناحتها

أول تصميم للباراشوت  (أوليفير يقفز بالباراشوت) 











الثلاثاء، 16 أغسطس 2016

لماذا تفتقر المؤسسات الكبيرة قدرتها على الإبداع




الإدارة تقتل عملائها
المؤسسات والشركات الكبيرة لا تسمح وجود خطأ ولا تحب المخاطره، وهذه أحد أهم الأسباب التى تضعها فى دائرة الروتين وقله إبداعها على المدى الطويل.

لفت إنتباهى صديقى آفيجدر نييمان-من نويورك-إلى الصورة الموجوده فى الأعلى وهى تُشبه الإدارة بشخص يقتل موظفه المتميز. وهذا صحيح، فإذا تعارضت طموحات الموظف المتفتح والمتميز مع خطط الإدارة ستقتله وستُقتل فى نفس ذات الوقت!

قال لى آفي: "وماذا إذا سقط الموظف المتميز جثة فى مكانه، وكان موظفآ نبيلآ - مات ولا يزال يسبب توازن للنظام و لم تسقط بعده الإدارة!, هل تفعل ذلك من أجل الإدارة؟"
قلت له: "أعتقد إنى سأفكر فى الرجوع خطوات إلى الوراء قبل الضغط على زر المسدس!"



تتلاشى إمكانيه الإبتكار فى المؤسسات لأسباب متعدده، سأذكر منها إثنين رئيسيين.

1) الخوف من أى فكرة جديده تحتاج تمويل و إستعدادات كبيره، فالمؤسسه مسؤوله عن عدد كبير من العاملين والمستثمرين،والمعظم يفكر فى إحتماليه أكبر فى فشل هذه الأفكار بدلآ من المخاطره فى جعلها ناجحه و منها ستفقد المؤسسه موارد كثيرة. وهذا غير منطقى وغير صحيح وهذا أيضآ يضع المؤسسه تحت قيود الروتين العملى والفكرى. فستفضل المؤسسه أن تنتظر الشركات الصغيره (مثل المبادرات) لشراء الفكرة بعد نضجها والتأكد 100% أنها تعمل و تحقق فائده، فتبذل المؤسسه كل جهودها فى شراء هذه الشركات (وهناك أمثله كثيره لهذه الشركات الصغيره المبدعه -والتى خاضت شوط كبير فى مراحل فاشلة لكى تصل لهذا التميز- وفى النهايه إنهت عملها وقامت بشراؤها شركات أو مؤسسات أخرى كبرى).

2)  أحد الأسباب الكارثيه الأخرى وهى فقر التخيل والإنغلاق الذهنى ويمكن أيضآ تسميته بـ"الأنانية"، فالمديرين يستقيظوا صباحآ ويذهبوا إلى عملهم كل يوم وهم مستمتعون بمنصبهم الإدارى, ويبذلوا كل جهودهم فى إبقاء هذا المنصب والخوف من فقدانه. ما نتائج هذا الفعل الساذج؟ فقر القدرة على الإبداع وأيضآ قتل مواهب كثيره قد تتواجد بداخل المؤسسه (كما حدث فى الصورة). هذا الأمر خطير جدآ على مستويات مختلفه من الأعمال الإداريه. ويجب التخلص من هؤلاء فى أسرع وقت ممكن! فهم خطر على إبداع المؤسسه.

هناك أسباب أخرى روتينيه فى إتخاذ القرارت وغيرها تضع معظم الشركات والمؤسسات فى إنغلاق بعيدآ عن المحرك الأساسى لتطور المؤسسه والعالم الحديث: "الإبتكار أو الإبداع"

  
أحد أهم أمثله المؤسسات التى تظل فى دائرة الإبداع المستمر بسبب إفتقادهم للأسباب السابقة هي شركة آبل و إنتيل. شكرآ ستيف جوبز و جوردن موور على الترتيب. فإنفتاحكم الذهنى و قدرتكم الكافيه على الإبداع غيرت التكنولوجيا والعالم. 
     

الأحد، 14 أغسطس 2016

من التفكير فى حل مشكلة إلى إختراع الـيوإس بي







في المقال السابق بخصوص الاعتراف بالفشل كخطوة أساسية فى طريق النجاح، كانت قصة أبراهام مثال على تحدى الصعاب و التمكن من تغيير واقع أشياء كثيرة. في هذا المقال سأذكر قصة مليئة بالتحديات لأحد المهندسيين ورجال الأعمال العالميين - من التخنيون - وهو دوف موران: مخترع الناقل المتسلسل العام المعروف بالـ"يو إس بي."  

خلال أحد المحاضرات لدوف موران فى مدينة نيويورك، حدث تلف في بيطارية حاسوبه وفقد المحاضرة وبعدها قرر أن يفكر فى كيفية الحصول على ذاكرة متنقلة لحفظ ملفاته حتى لا تضيع مرة أخرى. وخلال العقد من عام 1970 كانت هناك محاولات لتخزين المعلومات من خلال الخصائص المغنطيسية للمواد ولكن بسبب حدوث مشكلة انهيار كهربائي خلال طبقات الأوكسيد - بدون التدخل فى تفاصيل فنية – هذه المشكلة واجهت شركة إنتيل وفقدت الشركة قدرتها على الحلم فى منتج حقيقي.

وفى وقتها كان دوف موران يفكر فى حل لهذه المشكلة، وفى أحد المرات ذهب إلى مديره جوردن موور (مؤسس شركة إنتيل) وتحدث عن عدم إمكانية حل المشكلة ولكن على صعيد آخر –و نظراً لقدرة دوف على التفكير النقدي المُبتكر – كانت له وجهة نظر أخرى: وهى استخدام الطريقة التى تسبب المشكلة المراد حلها فى تصنيع خلية لذاكرة مُبَرمجه والتى تُعرف بـ"الذاكرة المُبَرمجة الغير متطايرة" وهذه الفكرة نجحت أخيراً وكوّنت وحدة ذاكرة الفلاش والأساس لمنتج الـيو إس بي والذي أحدث ثورة تكنولوجية ضخمة خلال العقود الأخيرة.

لم يكن دوف مجرد باحث عن حل لمشكلة، ولكن تفتحه وفهمه للعمليات الكهربائية و ترابط هذا الفهم مكّنه من تحويل المشكلة إلى منتج لم يكن يفكر به أحد من قبل.    

أسس دوف شركة إم - سيستمز والتى نافست سانديسك - لمؤسسها إيلى هراري- لمده 17 سنة، وفى عام 2006 باع دوف شركته لسانديسك بمبلغ 1.6 مليار دولار. ولكن لم يتوقف دوف عن العمل بالرغم من كونه ثرياً، فأسّس شركة أخرى وهي موديو والتي صنعت أول وأصغر هاتف ذكي، ولكنه لم يكمل شوطه فى المنافسة مع شركة  أبل وقرّر أن يقفل أبواب شركته.

هل توقف دوف بعدها؟ لا، فاتجه إلى إنشاء شركة أخرى - بعدها مباشره وفى نفس اليوم فى أواخر عام 2010- وهى كوميجو – وهو الآن قائم بأعمالها - والتي تختص بتحسين رؤية شاشات التلفاز وغيرها..

بالرغم من فشل موديو، إلا أن غلقها أدّى إلى إنشاء 15 شركة أخرى على أيدي العاملين السابقين مع دوف، ومعظمها شركات تكتسح السوق العالمية بمنتجاتها المُميزة.

الفشل لا يولد اليأس، ولكنه يخلق معجزات تغيّر العالم إلى الأفضل! 

السبت، 13 أغسطس 2016

قصص الإخفاق بدلآ من قصص النجاح



قصص نجاح






نحن نُشجع على النجاح ونخاف كثيراً من الفشل. للأسف هذا الأمر غير منطقي وغير صحيح، ونتيجة ذلك هو ندرة وجود أمثلة نجاحات عالمية فى مجتمعنا يُمكن أن تُسرد كقصص مثيرة للأجيال. لهذا السبب لابد أن نعرف أين تتواجد المشكلة وماذا ينقصنا حتى نغير العالم للأفضل.

ربما المفتاح لهذه الأمور هي القدرة على المخاطرة، كيف لا ونحن نخاف المخاطرة والفشل على وجه الخصوص ونتخذ الطريق الأسهل المُعتقد أنه هو الذي يؤدي إلى النجاح. أتذكر مايكل جوردن قائلاً "لقد خسرت 300 لعبة و 26 مرة بعد أن تم وضع الثقة بي لتحقيق الفوز ولكني فشلت. فشلت كثيراً وكثيراً، ولهذا السبب نجحت!" الفشل الذى واجهه مايكل يُعتبر مخاطرة و امتداد المحاولات الفاشلة يُعتبر أكثر خطورة، ولكن هذا هو طريق النجاح الحقيقي.

كلما زاد معيار هذا الفشل تأكد من أن وراءه نجاحٌ كبير جدً ربما لا تتخيله فى وقتها ولكن المحاولة والمثابرة هي الأدوات الأقوى التى يجب استخدامها فى هذا الطريق - حاولت كثيراً أن أعرف لماذا لم يفكر أحد فى إنشاء قصص مثيرة للفشل فقط! لماذا نركز على قصص النجاح بدون التشوق للتركيز على جانب الفشل على وجه الخصوص؟

من العروف فى وادي السيليكون بالولايات المتحدة الأمريكية لدى المستثمرين أن من يملك فى تاريخه أكثر من 3 تسجيلات لفشل متسلسل هو أفضل من من يملك سجل نظيف بدون فشل. وكما يقول أحد أساتذتى:
 "إفشل و احتضن الفشل وكن سعيداً معه!"

 هذه قصة فشل لــأبراهام لينكولن وهو الرئيس ال 16 للولايات المتحدة الأمريكية وهو الرجل الذى كافح الاستعباد وغيّر مسار الولايات المتحدة:

- عام 1831 فشلت أحد مشروعاته التجارية، وبعدها بعام واحد خسر الانتخابات التشريعية، وبعدها بعام آخر فشل له مشروعٌ تجاري آخر، وبعدها بعامين فقد زوجته وتألم لفقدانها فترة طويلة. وفى عام 1843 فشل فى انتخابات الكونجرس الأمريكى. وفى عام 1848 فشل فى أن يحصل على مقعد فى الكونجرس مرة أخرى. وفى عام 1855 فشل فى انتخابات مجلس الشيوخ. وعندما حاول أن يترشح لمنصب نائب الرئيس عام 1856 فشل! هل يمكن أن يتحمل إنسان كل هذه الصعاب؟ نعم، فالسماء هي الحدود!

- أبراهام كان شخص مبدعاً ومثابراً بالرغم من كل ذلك، وفى نهاية المطاف تم انتخابه ليكون الرئيس ال 16 للولايات المتحدة الأمريكة عام 1860. فكل هذه الصعاب كانت مجرد مصدر لتقويته ضد كل التيارات المضادة له، وأصبح شخصاً عنيداً يطمح إلى إكمال الطريق حتى نهايته: وبالفعل كانت النهاية لصالحه ولصالح الولايات المتحدة فى تعديلاته ضد الاستعباد وقتها وأيضاً توحيد الولايات المتحدة بعد عصر دموي من الحرب الأهلية.

كما ذكرت فى مقالي السابق أن القدرة على ابتكار الحلول والمثابرة في أوقات الشدة ليس لها علاقة بالجينات أو بالعبقرية وما إلى ذلك، ولكن يجب التحلي بالانفتاح الذهني والعمل اللانهائي. وفى مقال قادم سأذكر "قصة فشل" أخرى لشركة إنتيل التى أضاءت العالم تكنولوجياً من خلال تحوّل هذا الفشل إلى اختراع الناقل المتسلسل العام (المعروف بـاليو إس بي) عن طريق دوف موران.

الجمعة، 12 أغسطس 2016

الولايات المتحده تفوق السعودية فى مخزون النفط






في يوليو السابق من هذا العام، سجلت صحيفة التايمز الاقتصادية لأول مرة تفوق عدد براميل النفط فى الولايات المتحدة الأمريكية على السعودية وروسيا، أي تفوقها على أكبر الدول تصديراً للنفط في العالم. سجلت "ريستد إنرجي" عدد براميل النفط المخزونة و التي يمكن استخراجها من أماكن مختلفة بالولايات المتحدة والسعودية وروسيا، واتضح  احتلال الولايات المتحدة المركز الأول: 264 مليار برميل، والسعودية وروسيا على الترتيب: 212 و 256 مليار برميل. فمنذ سنوات كانت السعودية و كندا وروسيا مصدر أغنى للنفط فى العالم عن الولايات المتحدة، مع العلم أن أكثر من نصف كمية النفط الباقية فى الولايات المتحدة يتواجد في الصخور الزيتية المسماه بـ"الغير تقليديه." ومع العلم أيضاً أن مدينة تكساس هي من أغنى أماكن تواجد البراميل: حوالى ربع ال264 مليار برميل.

هذه النتائج صادمة للسعودية ومثيرة للعالم - الولايات المتحدة تظل قوى عظمى. الآن لا يوجد احتياج كبير من ناحية الولايات المتحدة إلى الدول العربية فى الشرق الأوسط حيث يتواجد النفط والمصادر الطبيعية. بالإضافة إلى تفوق الولايات المتحدة كدولة تحتضن الإبتكارعلمياً وتكنولوجياً، وهذا سيرغم السعوديين فى التفكير فى بدائل أخرى لحلول أزمات إقتصاديه قادمة - هناك خطط ناجحة للاستثمار فى التعليم والبحث من خلال الجامعات ومراكز التميز. لربما لا يزال يوجد أحد المزايا لدى الجانب السعودي وهو أن تكلفة تعزيز استخراج النفط من الصخور أقل بكثير من الجانب الأمريكى: حيث يتراوح فقط بضع دولارات للبرميل للجانب السعودي، وعلى الجانب الأمريكي الآخر أكثر من أو يساوى 50 دولاراً للبرميل.   

الأربعاء، 10 أغسطس 2016

حرق مليارات من الأموال بدون قصد




هناك قصصٌ مختلفة مليئة بأوقات فشل كبيرة أمثال ستيف جوبز و بيل جيتس فى عالم التكنولوجيا و ريادة الأعمال وأيضاً فى العلوم أمثال دان شيختمان وجون جردن (الحاصلىن على جوائز نوبل فى الكيمياء والطب على الترتيب). الفشل هنا هو عدم القدرة على مواكبة السير المعتاد الذى يسير عليه الملايين من الناس واختراق القواعد بذكاء وتحقيق فوائد كبيرة للبشرية. هؤلاء حققوا نتائج عظيمة ووجودهم هامٌ فى حياة البشر.

ولكن السؤال الأهم: هل ضياع الأموال يماثل نفس خطورة ضياع الموارد البشرية؟ ولماذا نضيع مليارات من الأموال بدون قصد؟ فى الحقيقة نحن نسئ الاستثمار فى الإنسان ومن ثَم نحبط فرص ابتكار عظيمة قد تصنع أموالاً كثيرة.

هل تذكر فى المدرسة مُعلماً أحبطك أو زرع داخلك رهبة أو كره من/إلى شئ كنت تحبه؟ للأسف فى مجتمعنا هذا الأسلوب هو السائد فى النظم التعليمية - فبدلاً من أن ينفذ المُعلم مهمته فى جذب إحساس الطلاب ناحية حب تعلم شئ ما تصبح مهمته هي القضاء على هذا الإحساس. نادراً ما تجد مُعلماً صديقاً وفى نفس الوقت يصنع منك عاشقاً لمادة أو مجال معين.

العائد البشري أو الموارد البشرية هى التي تصنع الأموال، فالأموال تضيع وتُصرف ولكن العنصر البشرى (الإنسان) هو أهم مدخلات الاستثمار فى أى شئ. إذا ضاعت الفرصة فى تنمية هذا العنصر وجعل قدراته وطاقاته موجهة بشكل صحيح نحو حب العمل الجاد والمُثمر، فنحن فعلاً نضيّع المليارات من الأموال، والأهم من ذلك هو ضياع فوائد كبيرة للإنسانية بشكل عام: شخصٌ واحد يمكنه تغيير العالم - بيل جيتس غيّر العالم!

أتذكّر مقالاً لعميد قسم الفيزياء بجامعة هارفرد بالولايات المتحدة الأمريكية بعنوان "الامتحان يقتل قدرة الطالب على التعلم وعلى الابتكار". في الحقيقة يوجد تركيز كبير فى المراحل الأولية فى دول العالم الأول لتنمية قدرة الإبداع لدى الأطفال والناتجة من تهيئة الجو المناسب لحب مهارة أو مادة معينة وتنميتها بحرص شديد جداً - هذا ما يولد الإبداع. لماذا لا تتوقف النظم التعليمية فى تقييم الطلاب فى أي مرحلة تعليمية من خلال الدرجات؟ لماذا لا تحاول بعض الدول النظر إلى نموذج فنلندا ومحاولة ابتكار نماذج أخرى مشابهة تتبع ثقافة الدولة لمحاولة تهيئه الطالب فى بداية مراحلهم التعليمية.

كل إنسان قادر على تغيير العالم وبامتياز، ولكن علينا التركيز والاستثمار جيداً فى العنصر البشري أكثر من التركيز على صنع وتنمية الأموال. نحن نتلف مواهب كثيرة ومن ثم نحرق نتائج قد تضع عالمنا ومستقبلنا فى مكان أفضل..

اللاجئين قوة لا تُستهان بها: السوريون مثال صارخ








من مخيم الزعتري - والذى يمكث به لاجؤون سوريون فى الأردن - يوجد أكثر من 3 آلاف عمل تجارى يديره سوريون. والعائد الكلي 13 مليون دولار وفقاً للصحافة.

انطلق أحد الشباب السوريين الهاربين من أوضاع سوريا ليفتتح أحد الأعمال التجارية (محل تأجير فساتين أفراح) بداخل المخيم لبيع منتجاتهم عبر موقع على الإنترنت وتحقيق قرابة 3 ملايين دولار. هذا العمل البسيط تم افتتاح أفرع له فى عُمان ودبى ويُستأجر الشباب السوري اللاجئ للعمل. ومن المتوقع أن يمتد أكثر من وضعه الآن.

هناك أيضاً أمثلة مختلفة مثل مخيم الزعتري وبها ملايين اللاجئين فى تركيا، والمدهش في الأمر أن الأعمال الريادية التى يقوم بها اللاجؤون أصبحت تستأجر الأتراك.

وأيضاً في مصر من ناحية أخرى، فلقد انطلقت سلاسل من المطاعم والمحلات المختلفة لتحقق الملايين من الجنيهات والتى صارت تستأجر مصريين للعمل بها. نسمع فى مصر عن البطالة المستمرة لدى الخريجين من الشباب المصري، ولكن السوريين كسروا حاجز اللجوء وتمكنوا من خلق فرص عمل وانتعاش اقتصادي وتجاري لبعض المدن.

الأوضاع فى سوريا الآن صعبة للغاية، وستكلف السوريين مليارات الدولارات لإعاده بناء سوريا. ولكن فى اعتقادى أنهم قادرون على إعادة سوريا كما كانت من خلال هذه الطاقات الإيجابية التى يمتلكها الشباب السوري. الملايين التى حققها السوريون قادرة على إحياء هيكل سوريا ومن لا شئ.  

الشباب السوري مُبتكر. وهذا الأمر له خطورة شديدة في أوروبا من ناحية أخرى، والسبب هو نقص القدرة على الابتكار فى معظم الدول فى أوروبا - سأتحدث عن هذا الأمر ونتائج مناقشات مع رواد أعمال أوروبيين فى مقال قريب. أحياناً هذه الأعمال الريادية البسيطة - أمثال المحلات التجارية فى مخيمات اللاجئيين - تساعد الاقتصاد على النهوض خطوة بخطوة، وتوفر عائداً تمويلياً كبيراً لأجل أهداف أخرى.

وبدلاً من صرف الملايين من الرشاوى إلى تركيا لوقف إستقبال المهاجريين،  يجب على الاتحاد الأوروبي إعادة التفكير فى توجيه هذا الكم من الأموال إلى دعم هؤلاء اللاجئيين، لأن مجرد الاستثمار فى القوى البشريه لهم سيُنعش الاقتصاد الضعيف فى بعض الدول مثل رومانيا واليونان. ولعلنا نذكر أزمة اليونان الإقتصادية... 


الثلاثاء، 9 أغسطس 2016

هل الإبتكار جين؟







كثيراً ما نسمع كلمة "عبقرى" ، وغالباً نربطها بالفطرة أو كونها مرتبطة بجينات متعلقة بها. العبقرية و الابتكار إختيارات ومكتسبات. أولاً وأخيراً: أنت من تختار أن تصبح مبدعاً.

توجد عضلة أساسية في جسم الإنسان – ليست مثل العضلات الأُخرى، ولكن من المهم تدريبها، وهي عضلة الابتكار.
ولكن كيف ندربها؟ ستكون هناك بعض الوصفات والخبرات الغير تقليدية المُقتبسة من بعض المؤلفين في متناول يدي سأذكرها فى مقالات قادمة، ولكن أولاً علينا إدراك أن الأفكار التى تدور فى بال الشباب بخصوص ضياع فرصة استرجاع قدرة العقل على الإبداع غير صحيحة، وجزء كبير من الحل هو الإيمان أنه يوجد حل.

في الحقيقة يوجد اهتمام كبير من قبل المراكز التعليمية في العالم لمواجهة نقص القدرة على الإبداع، وأيضاً اهتمامات أخرى فى الاستثمار فى التعليم الأولي فى مرحلة الطفولة والتى تُعتبر هى الفترة الأساسية و الحرجة فى تكوين شخصية الإنسان.

عضلة الابتكار يمكن تقويتها وجعلها أكثر مرونة.. جزء كبير من الأمر يتعلق بالعمل الجاد الذى يفي حقوق المهنة أو العملية المراد تنفذيها. بالمثل، إذا طمحت للفوز بالمارثون، فعليك التمرن جيداّ وتجديد نشاطك باستمرار - أي عليك بذل مجهود مستمر. على سبيل المثال، تطرق جزء من خطاب روبرت ستيرنبيرج الرئيس السابق لدى جمعية الطب النفسي الأميريكي بواشنطن - وهو أحد الأشخاص الذين عانوا فى مرحلة الثانوية العامة - والذي كان بعنوان "الابتكار اختيار" والذى نُشر فى عدد نوفمبر 2003 من مجلة الجمعية:

"لقد اقترحت مع زميلي تود لوبرت نظرية استثمار للأفكار، والتى تُشَبّه الشخص المبتكر بـ"المستثمر الجيد" - يشتري قليلاً ويبيع كثيراً فى عالم التسوّق الفكري. بمعنى آخر، نظراً لأن معظمهم يتم التعامل معهم فى بداية الأمر بسذاجة وأفكارهم تُرفض كثيراً (يشترون قليلاً)، ثم بعد أن يحاولوا رفع قيمة استثمارهم وقدرتهم على إقناع الغير بأفكارهم، يبدأوا فى خلق أشياء جديدة (يبيعوا كثيراً). الشخص المبتكر دائماً لا يتواكب مع المعتاد و هو قادر على أن يكسر المعتاد الذي يُسار عليه الكثير. وفى كل الأحوال، يجدون أنفسهم يعقابوا بدلاً من أن يكافؤوا وهذا نتيجة محاولاتهم الفكرية الغير تقليدية."

هل أنت مستعد لمواجهة قوة المعارضة و السير ضد أو بعيداً عن التيار؟ هل أنت مستعد لإكمال المسيرة وتطبيق أفكارك الخاصة بانفرادية شديدة؟ هذه المسيرة تشبه تماماً شخصاً يتسلق جبلاً عالىاً، ويقل الأكسجين تدريجياً مع التسلق، ويقول له عقله "كفى!". مع كل خطوة، تصرخ عضلاته من التعب، ولكنه يستكمل الطريق و يسير حتى يصل إلى القمة. هذه المسيرة أو "التمرين البسيط"  قام بها كثيراً مِن مَن شكلّوا أو غيروا العالم بشكل أو آخر، وكل مرة تزيد القدرة على القيام بمهمة أخرى، ربما الأصعب فالأصعب.

هذا ما عبّر عنه ستيرنبيرج فى كتاب "علماء النفس فى مواجهه التيار"، والذى أُصدر فى يناير 2003، وفى سياقه أمثلة مختلفة لعلماء آخرين تسلقوا قمم مختلفة في أنحاء متعددة. لذلك الابتكار ليس جيناً يورث أو يتوارث ولا هو بشئ خارق. فقط الحرص الممزوج بالعمل الجاد على تقويه عضله الإبتكار أمرٌ ذا أهمية كبرى لحياة وعالم أفضل.   

   
           

             

الأحد، 7 أغسطس 2016

أحمد زويل: العالِم و الدبلوماسى





منذ أيام قليلة رحل العالم المصرى-الأمريكي الذى رصد ديناميكيه الذرات والجزيئات أثناء تطورها فى التفاعل الكيميائى/البيولوجى. كانت رحلة حياته ممتعه ومليئه بتحديات إجتماعية وعلمية كثيره. هذه الأحداث تتواجد فى كتاب "عصر العلم". خبراته الحياتيه كونت شخص مفكر مُبتكر مختلف، وعلى الرغم من كل الإنجازات الكبيره التى نسمع أو نقرأ عنها هو شخص بسيط جدآ وإنجازاته تولدت من هذه البساطه المليئه بحماس كبير وحب المغامره وعدم اليأس.

أحمد زويل لم يُولد بجينات ذكاء أو عبقريه, ولكن تطور حياته لدى تخيل الذرات و كيمياء المعمل كانت دافع له لإكمال الطريق لدى فهم حقيقى لماذا وكيف تحدث كل هذه الأشياء الغير واضحه. ربما يفكر بعض من الغير المختصيين أن ما فعله زويل صعب للغايه  لدرجه العبقرية الخارقة، فهذا فقط ناتج عن خبرات علمية شيقه مع إنفتاح ذهنى و عدم النظر إلى هدف أسمى أكبر من محاوله إستكمال فهم أعمق لدى طبيعه التفاعلات التى تحدث - والتى كانت تشبه "الصندوق الأسود" المتحرك السريع و الغير مرئي تحت المجهر، و أيضآ الإصرار على التحدى حتى نهاية المطاف الغير منتهى!

قابل العالم معارضات أثناء التفكير فى إستخدام ليزر الفيمتوثانيه – والذى هندسه تشارلز شانك وفريقه فى معامل بيل بالولايات المتحده فى أوائل ال80 والذى طوع إستخدامه فريق زويل فى معهد التكنولوجيا بكالفورنيا (كالتاك) في وقتها. كانت أفكاره تؤول للصواب بعد أن كانت هناك بعض المحاولات السابقه والتى مُنح لها جوائز النوبل فى إستخدام أضواء مصابيح وصدمات  كهربيه وحراريه لتكون المحرك المُنشط للجزيئات. كانت فكره زويل هو بما أن الجزيئات تتحرك بسرعه 1000 متر/ثانيه والذرات فى مقياس من الأنجستروم (الأنجستروم= عُشر المليار من المتر) لذا فالقوه الكهرومغناطيسيه لدى الضوء المُركز(الليزر) وفى نطاق الفيمتو- ربما لا يوجد المتسع الكبير لتوضيح معنى ليزر فى فيمتو مقياس زمانى- يكون قادرآ على تحليل هذه الحركة. التعارض الذى واجهُ فى البدايه وبأخص الذكر حول "مبدأ عدم التأكد لهايزنبرك" تحول مع الوقت إلى مفاجأه رؤيه زويل الصيحيه، والآن أصبح هناك إمكانيه كبيره لتحليل الحركة أثناء التفاعلات المختلفه، وهذا سـ/يساهم بشكل كبير فى فهم التحولات أو النطاقات التى يتخذها التفاعل بين الجزيئات وبعضها ولماذا يذهب التفاعل من هذا الإتجاه ولا يذهب من الآخر..

 العقليه المتفتحه والمرنه لدى  زويل تشبه نموذج فى الإبتكار موجود بكثره فى الثقافات الآسيوية الشرقية وهو الكونفوشيوسية+التمرد (ك+ر): أى الفهم الكافى لدى المعلومات المتاحه + محاوله التفكير المختلف المتفتح القادر على كسر المعتاد. كل ذلك مُحاطآ بكم وكيف هائل من المجهود المبذول فى الإستثمار فى التجربه المعلميه وأيضآ الإستثمار فى الوقت حيث كان يعمل زويل على مقياس ضئيل جدآ من الوقت! والذى يحدث به أشياء كثيره وأحيانآ معقده.

لم يكن زويل فقط كيميائيآ مختص بالتحدث إلى الذرات و الجزيئات والليزر المتسق - أحد الخواص الأساسيه لشعاع الليزر- ولكن كان متحدث لبق وشخصية دبلوماسيه وهذا ذكاء إجتماعى لاحظته عليه فى أكثر من مناسبه. زويل شغل مناصب رياديه عديده كانت من أبرزها كونه المبعوث العلمى للرئيس الأميريكى باراك أوباما بدايه من عام 2009، حيث تميز بشخصيه نادره قادره على التواصل السياسى/الإجتماعى وأيضآ التواصل العلمى مع فئات مختلفه من الجمهور - قريبآ سيكون هناك مقالآ يتحدث عن العقبات التى يواجهها العلماء بشكل عام بخصوص أمر الإنعزال العلمى عن الأحوال الإجتماعية المحيطه بهم وعدم القدره على التواصل مع الآخرين.

 ربما هناك علاقه قويه بين رؤيا زويل المتفتحه والمتفاؤله للحياه والعمل و أيضآ ذكاءه الإجتماعى. ولكن هل كانت إنجازات زويل لها علاقه بجيناته المختلفه؟ مع ملاحظه أنه من الطبيعى أن كلنا نحمل تسلسل مختلف من ترتيب قواعد الجين. فى المقال القادم سأتحدث عن علاقه الإبتكار بالجينات وإلى أى مدى يوجد تواصل حقيقى بينهم.